السيد رضا الصدر

98

محمد ( ص ) في القرآن

لا صعوبة فيه ، فإنّ الزاهد ينظر إلى متع الدنيا كوسيلة ، والطامح ينظر إليها كهدف . قال محمّد صلّى اللّه عليه وآله : « ما لي والدنيا ؟ وما أنا والدنيا ؟ إنّما مثلي ومثلها كمثل راكب رفعت له شجرة في يوم صائف « 1 » ، فقال « 2 » تحتها ثمّ راح وتركها » « 3 » إنّه صلّى اللّه عليه وآله يقيل تحت الشجرة ولا يتركها ليبقى تحت أشعّة الشمس ، ولكنّ القيلولة تحت الشجرة ليست له بغاية ، بل هي لتجديد القوى والقدرة على الاستمرار في السير . وبذلك يعرف مدى الفرق بين الماديّة والروحيّة في تعاليم محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّ قوما زعموا : أنّ الأعمال تنقسم إليها ، وأنّه لا صلة لأحد القسمين بالآخر ، وأنّ للماديّة من الأعمال موضعا ، وللروحيّة منها موضعا آخر . واعتبروا مثل الأكل والشرب والنكاح والتجارة والحكم وأمثال ذلك أعمالا ماديّة ، ويقابلها أعمال روحية : كالعبادة والإيثار والتضحية ومكافحة الرغبات الطبيعية وأمثالها ممّا هي تلبية لميول سامية ولغايات قدسية . والحقيقة أنّ هذا التقسيم خطأ ، وأنّه لا ينطبق على تعاليم محمّد صلّى اللّه عليه وآله . إنّه يرى العمل الواحد مادّيا كما يرى نفس ذلك العمل روحيّا . وإنّ الميزان الصحيح عنده لمعرفة الماديّة والروحيّة من الأعمال هو باعث العمل وغايته . فكلّ عمل أتى به الإنسان لوجه اللّه فهو عمل روحيّ وإن كان من القسم الأوّل . فما أكثر الأعمال الاجتماعية أو الإدارية أو التجارية التي تصدر من الإنسان لغايات سامية ، فهي أعمال روحية وعبادات قدسية . وما أكثر الأعمال العبادية : كالصوم والصلاة والإحسان والتضحية والإيثار التي تصدر من الإنسان لغاية غير اللّه ، فهي أعمال مادّيّة وإن زعم من زعم أنّها أعمال روحيّة .

--> ( 1 ) . أي : يوم صيف حارّ . ( 2 ) . أي : نام تحتها نوم قيلولة . ( 3 ) . شعب الإيمان ، ج 2 ، ص 166 ؛ الأنوار في شمائل النبيّ المختار ، ج 1 ، ص 322 ، ح 425 ؛ مكارم الأخلاق ، ج 1 ، ص 64 ، ح 65 ؛ البحار ، ح 16 ، ص 239 .